علي بن محمد البغدادي الماوردي
49
أدب الدنيا والدين
على أن العلم والعقل سعادة وإقبال وإن قل معهما المال وضاقت معهما الحال والجهل والحمق حرمان وإدبار وإن كثر معهما المال واتسعت معهما الحال لأن السعادة ليست بكثرة المال فكم من مكثر شقي ومقل سعيد وكيف يكون الجاهل الغني سعيدا والجهل يضعه أم كيف يكون العالم الفقير شقيا والعلم يرفعه . وقد قيل في منثور الحكم : كم من ذليل أعزه علمه ومن عزيز أذله جهله . وقال عبد اللّه بن المعتز : نعمة الجاهل كروضة مزبلة . وقال بعض الحكماء : كلما حسنت نعمة الجاهل ازداد قبحا . وقال بعض العلماء لبنيه : يا بني تعلموا العلم وأن لم تنالوا به من الدنيا حظا فلأن يذم الزمان لكم أحب إلى من أن يذم الزمان بكم . وقال بعض الأدباء : من « 1 » لم يفد بالعلم مالا كسب به جمالا وأنشد بعض أهل الأدب لابن طباطبا « 2 » : حسود مريض القلب يخفي أنينه « 3 » * ويضحى كئيب البال « 4 » عندي حزينه يلوم على أن رحت « 5 » للعلم طالبا * اجمع من عند الرواة فنونه
--> ( 1 ) من لم يفد : من لم يستفد ، وفي المختار : أفدت المال أعطيته ، وأفدته أيضا : استفدته . ( 2 ) ابن طباطبا : يحتمل أنه أبو القاسم أحمد بن إبراهيم ، يتصل نسبه بسيدنا علي رضي اللّه عنه . كان أديبا وشاعرا ، توفي في مصر سنة 345 ومن شعره : خليلي إني للثريا لحاسد * وإني على ريب الزمان لواجد أيبقى جميعا شملها وهي سبعة * ويفقد من أحببته وهو واحد أو أنه أبو الحسن محمد بن أحمد بن إبراهيم طباطبا المتوفى في أصفهان سنة 322 وكان أديبا وشاعرا ، ومن شعره : يا من حكى الماء فرط رقته * وقلبه في قساوة الحجر يا ليت حظي كحظ ثوبك من * جسمك يا واحدا من البشر ( 3 ) يخفي انينه : أراد أن يخفي آلام الحسد وغيظه ، وتأوهه . ( 4 ) كثيب البال : أي سيّئ الحال مغموما منكرا من حزنه . والمراد أنه يظهر لديّ حزنه كأنه يتوجع لي ، والواقع أنه يخفي في قلبه الحسد الشديد عليّ . ( 5 ) رحت : من راح يراح . منهاج اليقين ، وفي القاموس : وراح لذلك الأمر يراح رواحا . . . أشرف له وفرح . وفيه أيضا : وراح للمعروف يراح راحة : أخذته له خفة ، وأريحيته ، ويده لكذا خفت ، ومنه قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « ومن راح في الساعة الثانية » الحديث ، لم يرد به ، رواح النهار ، بل المراد خف إليه أ . ه - فالظاهر أنه في منهاج اليقين أراد هذا المعنى . وحينئذ يقرأ بكسر الراء .